الأحد، 29 سبتمبر 2013

الأفلام الإباحية.. الإدمان المجهول

 الحلقة١ (مُلحق) | الحلول العملية للإقلاع عن مشاهدة الأفلام الإباحية


الأفلام الإباحية.. الإدمان المجهول

إدمان الأفلام الإباحية أخطر مهدد للصحة النفسية، بل أخطر من إدمان الكوكايين.. لماذا؟ لأنه متوفر للجميع بصورة دائمة ومجّانية، كما أن لهذا الإدمان أثراً لا يمكن محوه من أدمغة المصابين به
خلق الله البشر وفطرهم على فطرة جعلها غريزة إنسانية، كما جعلها سبباً لبقاء النسل البشري "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". والمودة والرحمة اللتان جعلهما الله في العلاقة بين الزوجين هما أساس راسخ يغلف علاقتهما التي إذا أثمرت، كانت ثمرتها أغلى ما على وجه الأرض. ضيف جديد عليها مُستخلفٌ في إعمارها. لم يأمر الإسلام بكبت الغريزة الجنسية، وإنما شرع ما يضمن أن تسلك سبيلها الصحيح دون انحراف، وقدَّر رغبة الذكر والأنثى في لقاء مُقنع مُشبع من خلال الزواج الذي أمر بتيسيره وفتح أبوابه.
وعلى خلاف ما قد يُظن للوهلة الأولى، فإنه ليس كل حديث عن الجنس فيه ابتذال، فقصة يوسف عليه السلام في القرآن من أولها لآخرها لا يوجد فيها إسفاف ولو بكلمة، كلها طهر ونقاء، رغم الكلام عن مؤامرة وشهوة جنسية ورجل وامرأة، وأمور لو حصلت في قصة من قصص كثير من الأدباء لبعثروا بها الحياء ونسفوا بها القيم ولذهبت بها الغيرة ولأراقوا فيها ماء المكرمات.
ممارسة الجنس في الإطار الشرعي مع النية عملٌ يُؤجر عليه المسلم، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
في جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي للدكتورة ماري آن لايدن (الباحثة بمركز العلاج السلوكي بجامعة بنسلفانيا) قررت أن إدمان الأفلام الإباحية أخطر مهدد للصحة النفسية، وأنه أخطر من إدمان الكوكايين.. لماذا؟ لأنه لا قيود عليه، متوفر للجميع بصورة دائمة ومجّانية، لا يمكن التعرّف على متعاطي هذه الأفلام، كما أن لهذا الإدمان أثراً لا يمكن محوه من أدمغة المصابين به، بينما يمكن محو آثار الكوكايين من جسم المدمن بعد مُضي بعض الوقت، وهو أيضاً يستحث إفراز أشباه الأفيون الطبيعية مُسبباً أثراً أقوى من الكوكايين.
ويمثل الفص الأمامي من (الناصية) في المخ، مركز المحاكمة وكابح الرغبة في الإنسان، وهو ما يفسر أن الشخص السّوي لا يقُدِم مثلا على الاغتصاب لأن لديه محاكمة (ناصية) سليمة تجعله يدرك عواقب الأمور. ويؤدي تحفيز مركز الرغبة باستمرار إلى نفاد المواد الكيميائية وضمور الخلايا المنتجة لها. ومع الوقت تحتاج لجرعات أكبر من الإثارة (مشاهد صادمة/ عنف/ سادية/ شذوذ) لتوليد نفس درجة النّشوة. كما يؤدي إنهاك الفص الأمامي (الناصية) لضموره، فتضعف المحاكمة لديه ويقل إدراكه للعواقب، كما أن الإدمان البصري يترك أثراً مخربا على كيمياء الدماغ.
وقد اكتُشف وجود تطابق كبير بين المصابين بتلف في الفص الأمامي نتيجة حوادث مرورية وبين المدمنين بكافة أشكالهم (قمار، مخدرات، جنس)، ويكمن هذا التطابق في: الاندفاع دون النظر إلى عواقب الأفعال، التركيز على فعل معين وتكراره بصورة وسواسية، الهشاشة العاطفية وتقلّبات المزاج. ويتكرر الأثر السلوكي للدائرة المغلقة للإدمان وألف المعصية دورياً: يومياً، أسبوعياً، شهرياً بحسب شدّة الإدمان وبأربع خطوات: بادئاً بالتبرير: أنا أستطيع التحكّم.. كنت متعباً.. أنا لم أُؤذ أحداً.. ثم الندم: لماذا فعلت ذلك؟ لم أحتج أن أفعل هذا.. لن أعود إلى مثله.. ثم التوقف: وقد يستمر أياماً.. أسابيع.. أو شهورا. ثم السقوط: رغبة في العودة بعد حافز معين (يوم متعب/ ظرف محزن).
وفي عملية بحث بسيطة سنفاجأ بالكثير من النتائج المزعجة، منها أننا إذا تتبعنا مسارات البحث في محرك البحث الأشهر (جوجل)، سنجد أن أكثر البحث في عدد كبير من الدول يكون عن مفردات جنسية، فكل 6 ثوان يُنتج فيلم إباحي جديد وعدد الإيميلات الإباحية يقدر بالملايين، كما أن هناك 116 ألف بحث عن الجنس من الأطفال كل يوم، وكل ثانية واحدة يقوم 30.000 شخص بتصفح مواقع إباحية، وتخيل أنه كل نصف ساعة يتم تصوير فيلم إباحي بالولايات المتحدة، كما تنتج الولايات المتحدة 89% من المواقع الإباحية على شبكة الإنترنت، والعائد من صناعة الأفلام الإباحية يفوق عائد أكبر شركات التقنية مدمجة مع بعضها (مايكروسوفت، جوجل، أمازون، ياهو، أبل، نيت فليكس، إيرث لينك)، فما يقدر بـ13 بليون دولار هو ما تربحه صناعة الأفلام والمواد الإباحية، كما تقدّر صناعة الأفلام الإباحية اليوم بـ100 بليون دولار. وقد أوردت مجلة الصن البريطانية أن معظم الشباب من الرجال يشاهدون الأفلام الإباحية بمعدل يصل إلى ساعتين أسبوعياً.
أما في المملكة، فتأتينا بعض الإحصائيات لتصدمنا بأن محرك البحث جوجل يستقبل 50 مليون بحث عن مفردات جنسية بل وشاذة شهرياً، أي ما يزيد عن مليون ونصف المليون بحث يومياً، وأن 70% من الملفّات المتبادلة بين المراهقين هي مواد إباحية، والمؤلم أن 88% من الفتيات تعرضن لتحرش عن طريق الهاتف. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يلجأ الشباب إلى الأفلام الإباحية؟ هل هو الفضول، الرغبة، أم تحصيل الثقافة الجنسية قبل الزواج؟
ولمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، نرجع زمنياً إلى السبعينات الميلادية، فعند ظهورها في بعض مجتمعاتنا، كان ينظر إلى ضرر الأفلام الإباحية على أنه لا يعدو عن كونه أخلاقياً، دينياً، وفي أسوأ الأحوال يكون نفسياً، وقد أدى ذلك إلى الشعور بعدم كونه مشكلة بذاته. وبالتالي أصبح جزءاً من حياة كثيرين من الشباب، وأصبحت الأفلام الإباحية الوسيلة الأساسية للتعليم الجنسي في عدد من البلدان العربية نظراً لعدم وجود خطة واضحة لنشر الثقافة الجنسية الصحيحة، مما أدّى إلى وجود ثقافة مبنية على أسس خاطئة.
ومع مزيد من التأمل في أثر إدمان الأفلام الإباحية على الحياة الزوجية، نجد أنه خلال الجماع بين الزوجين فقط (وليس خلال مشاهدة الأفلام الإباحية) يُفرز هرمونا الفاسوبرسين والأوكسيتوسين، ووظيفتهما: تعزيز الثّقة والتقارب العاطفي لدى الزوجين، وغياب هذين الهرمونين عند الاستمناء المصاحب لمشاهدة الأفلام الإباحية يؤدي إلى انفصام الجنس عن الحب وانعدام العواطف الضرورية لإنجاح الزواج، بل تصبح اللذة عند مشاهدة الأفلام أكبر من تلك الناتجة عن الجماع وهو ما يعرف بـ(عنانة الأفلام الإباحية). هذه العنانة تؤدي إلى حصول الإثارة عند مشاهدة الأفلام الإباحية، بينما يواجه المدمن عجزاً أثناء العلاقة الجنسية، وهو ما يؤدي إلى الوحدة والإحباط.. فطلاق وتفككك.. ونهاية الطريق تدميرٌ كامل للذة الجنسية، نقص في الإنتاجية، وانحراف في التفكير.
وفي النهاية من الضروري أن نطرق الاعتقاد السائد بأن العادة السرية تفرغ الطاقة وتقي من الزنا، وهو اعتقاد يشوبه الكثير من إغفال أمور مهمة، فإذا تعود الشاب على الاستمتاع بممارسة العادة السرية وشجع نفسه بمشاهدة الأفلام الإباحية، فسيقع في دائرة لا خلاص منها، حيث ستزيد الرغبة لديه في الممارسة وتؤدي لعجز جنسي في علاقة الجماع الطبيعية عند الزواج.
نسأل الله أن يحفظ شبابنا وأن يرزقهم سبيل العفة والهداية.
وليد فتيحي    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.